حيدر حب الله
457
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
أو عدم وهنه بأمارة الخلاف ، وأما بناء على كفاية مجرد وثاقة الراوي أو عدالته ، وعدم اشتراط الوثوق الشخصي في خصوصيات الموارد فلا وجه لرفع اليد عنه بواسطة أمارة غير معتبرة ، كما أنه لا وجه لرفع اليد عن دلالته أو ظهوره . . » « 1 » . ويحمل هذا النص - مع غيره - دلالات أبرزها : أولا : قيام مقولة الوهن على نظرية الوثوق ، ومن ثم فنظرية الوثاقة يفترض أن لا تسمح بإنتاج نظرية الوهن ، وقضية الارتباط بين الوهن والوثوق واضحة في كلمات العديد من العلماء هنا « 2 » . إلا أن هذا الارتباط يبدو أنه غير متين من أحد طرفيه ، فنظرية الوثوق تنتج بالتأكيد مقولة الوهن بالإعراض كمفهوم عام ، بعيدا عن التطبيقات الميدانية ، إلا أن ظهور وجهات نظر أخرى مثل رأي السيد باقر الصدر ، فكّ الارتباط من طرف الوهن ، أي أن نظرية الوهن لم تعد رهينة نظرية الوثوق ، بل صار يمكن إنتاجها عبر مقولة الوثاقة نفسها ، وهذا ما يمثل اختراقا في بنية نظرية الخوئي في الوثاقة ، ذلك أن الخوئي كان يشيد نقده الشهير لمقولة الوهن على نظريته في الوثاقة ، أما الآن فقد تخطى الصدر هذا الحاجز معلنا أن نظرية الوثاقة نفسها لا تتمكن من إعطاء الاعتبار لخبر الواحد عندما يكون معارضا بأمارة مزاحمة ذات درجة من الكشف ، وسبب ذلك أن المدارك التي منحت خبر الثقة الحجية والاعتبار لا دليل يؤكّد أنها تتناول حالة من هذا النوع ، فالسيرة العقلائية والمتشرعية لا يوجد ما يؤكّد أنها تعمل بأخبار الثقات عندما تعارض بكاشف نوعي قوي مثل إعراض مشهور العلماء ، ويكفي الشك في ذلك ، ذلك أننا أشرنا سابقا إلى أن السيرة العقلائية والمتشرعية أدلّة لبية لا إطلاق فيها ، فيكفي الشك في عموميتها للاقتصار على الدائرة الأضيق فيها ، بل حتى الأدلّة اللفظية الدالة على حجية الآحاد مثل آية النبأ مثلا أو الروايات المتواترة معنويا أو إجماليا منصرفة عن حالة الكاشف النوعي المعارض حسب رأي الصدر ، وانصراف نصّ ظاهره العموم يوجب تضيّق دائرته ، كما برهنوا عليه في علم أصول الفقه « 3 » . إذن ، فالصدر أحدث اهتزازا في العلاقة المحكمة ما بين نظرية الوثوق ونظرية الوهن ، كما جاءت منذ الآغا الهمداني وما قبله أيضا ، لكن على أية حال ، فالارتباط ما زال هو المفهوم السائد في الفكر الشيعي ، لا أقلّ لأن تفكيك الصدر لم يدم طويلا ، إذ عدل
--> ( 1 ) - الهمداني ، مصباح الفقيه 1 : 561 . ( 2 ) - انظر - على سبيل المثال - : النائيني ، أجود التقريرات 3 : 279 ؛ والبروجردي ، نهاية التقرير 1 : 315 ؛ والبجنوردي ، القواعد الفقهية 5 : 132 . ( 3 ) - راجع : الصدر ، بحوث في علم الأصول 4 : 426 ؛ وبحوث في شرح العروة الوثقى 4 : 104 - 105 .